الغزالي
16
إحياء علوم الدين
ويرتب وظائفه في يومه الذي بين يديه ، ويدبر في دفع الصوارف والعوائق الشاغلة له عن الخير ويتذكر تقصيره وما يتطرق إليه الخلل من أعماله ، ليصلحه ويحضر في قلبه النيات الصالحة من أعماله في نفسه وفي معاملته للمسلمين الفن الثاني : فيما ينفعه في علم المكاشفة وذلك بأن يتفكر مرة في نعم الله تعالى ، وتواتر آلائه الظاهرة والباطنة ، لتزيد معرفته بها ويكثر شكره عليها ، أو في عقوباته ونقماته لتزيد معرفته بقدرة الإله واستغنائه ، ويزيد خوفه منها ولكل واحد من هذه الأمور شعب كثيرة يتسع التفكر فيها على بعض الخلق دون البعض ، وإنما نستقصى ذلك في كتاب التفكر ، ومهما تيسر الفكر فهو أشرف العبادات ، إذ فيه معنى الذكر الله تعالى ، وزيادة أمرين أحدهما : زيادة المعرفة إذ الفكر مفتاح المعرفة والكشف والثاني : زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ، ولا تنكشف عظمة الله سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ، ومعرفة قدرته ، وعجائب أفعاله فيحصل من الفكر المعرفة ، ومن المعرفة التعظيم ، ومن التعظيم المحبة ، والذكر أيضا يورث الانس ، وهو نوع من المحبة ولكن المحبة التي سببها المعرفة أقوى وأثبت وأعظم ، ونسبة محبة العارف إلى أنس الذاكر من غير تمام الاستبصار ، كنسبة عشق من شاهد جمال شخص بالعين واطلع على حسن أخلاقه وأفعاله وفضائله وخصاله الحميدة بالتجربة إلى أنس من كرر على سمعه وصف شخص غائب عن عينه بالحسن في الخلق والخلق مطلقا من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما ، فليس محبته له كمحبة المشاهد ، وليس الخبر كالمعاينة ، فالعباد المواظبون على ذكر الله بالقلب واللسان الذين يصدقون بما جاءت به الرسل بالايمان فالعباد المواظبون على ذكر الله بالقلب واللسان الذين يصدقون بما جاءت به الرسل بالايمان التقليدي ليس معهم من محاسن صفات الله تعالى إلا أمور جملية اعتقدوها بتصديق من وصفها لهم ، والعارفون هم الذين شاهدوا ذلك الجلال والجمال بعين البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الظاهر ، لأن أحدا لم يحط بكنه جلاله وجماله فان ذلك غير مقدور لأحد من الخلق ، ولكن كل واحد شاهد بقدر ما رفع له من الحجاب ، ولا نهاية لجمال حضرة الربوبية ولا لحجبها ، وإنما عدد حجبها التي استحقت أن تسمى نورا وكاد يظن الواصل إليها أنه قد تم وصوله إلى الأصل سبعون حجابا